أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

156

العقد الفريد

إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه * حصان عليها نظم در يزينها « 1 » نهته فلما لم تر النّهي عاقه * بكت فبكى مما دهاها قطينها « 2 » ثم خرج يريد مصعب ، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل أغلق عمرو بن سعيد دمشق وخالف عليه ، قيل له : ما تصنع ؟ أتريد العراق وتدع دمشق ؟ أهل الشام أشدّ عليك من أهل العراق ! فرجع مكانه فحاصر أهل دمشق حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده وأن له مع كل عامل عاملا ، ففتح له دمشق ، وكان بيت المال بيد عمرو بن سعيد ، فأرسل إليه عبد الملك أن أخرج للحرس أرزاقهم فقال : إذا كان لك حرس فإن لنا حرسا أيضا ! فقال عبد الملك : أخرج لحرسك أيضا أرزاقهم ! فلما كان يوم من الأيام أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية حتى أدبر معك أمورا . فقالت له امرأته . يا أبا أمية ، لا تذهب إليه ؛ فإنني أتخوّف عليك منه ! فقال : أبو الذباب ! واللّه لو كنت نائما ما أيقظني ! قالت : واللّه ما آمنه عليك ، وإني لأجد ريح دم مسفوح . فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها ، فخرج وخرج معه أربعة آلاف من أبطال أهل الشام الذين لا يقدر على مثلهم مسلّحين ، فأحدقوا بخضراء دمشق وفيها عبد الملك ، فقالوا : يا أبا أمية ، إن رابك ريب فأسمعنا صوتك ، قال : فدخل فجعلوا يصيحون : أبا أمية أسمعنا صوتك ، وكان معه غلام أسحم شجاع ، فقال له : اذهب إلى الناس فقل لهم : ليس عليه بأس . فقال له عبد الملك : أمكرا عند الموت أبا أمية ؟ خذوه . فأخذوه . فقال له عبد الملك : إني أقسمت إن أمكنتني منك يد أن أجعل في عنقك جامعة « 3 » ، وهذه جامعة من فضة أريد أن أبرّ بها قسمي ! قال : فطرح في رقبته الجامعة ، ثم طرحه إلى الأرض بيده فانكسرت ثنيته « 4 » ؛ فجعل عبد الملك ينظر إليه ، فقال عمرو : لا عليك يا أمير المؤمنين ، عظم انكسر ! قال : وجاء المؤذنون فقالوا : الصلاة

--> ( 1 ) حصان : عفيفة . ( 2 ) القطين : الإماء والخدم والأتباع . ( 3 ) الجامعة : الغلّ . ( 4 ) الثنيّة : إحدى الأسنان الأربع التي في مقدم الفم .